أخبار
التحول السياسي في النيجر: قراءة في توصيات اللجنة الوطنية للعودة إلى الحكم المدني

شهدت النيجر اضطرابات سياسية كبيرة في أعقاب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم في عام 2023. وفي خضم المناقشات الجارية حول الحكم المستقبلي للبلاد، اقترحت اللجنة الوطنية تمديد الفترة الانتقالية إلى خمس سنوات على الأقل، مما أثار جدلا واسع النطاق بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين فضلا عن ردود الفعل الإقليمية والدولية المتباينة. ويعكس هذا الوضع تعقيدات التحولات السياسية في الدول الأفريقية التي تواجه أزمات عميقة في إقامة مؤسسات ديمقراطية مستقرة. ويتطلب تحليل هذه التوصيات مراجعة شاملة للسياقات السياسية والدستورية والإقليمية التي أدت إلى هذه القرارات.
أولاً: التوصيات الرئيسية وتحليلها
الفترة الانتقالية:
اقترحت اللجنة فترة انتقالية لا تقل عن خمس سنوات، مع إمكانية التمديد إذا لزم الأمر. يمدد هذا القرار الفترة الانتقالية الأولية التي اقترحها العسكر لمدة ثلاث سنوات. ويشير هذا التمديد إلى نية السلطات العسكرية الحاكمة تعزيز سيطرتها على مؤسسات الدولة قبل تسليم السلطة للمدنيين. يزعم المنتقدون أن هذه الخطوة تؤخر عمدا الانتخابات التي قد تعيد النخب السياسية المخلوعة إلى السلطة.
حل الأحزاب السياسية:
أوصت اللجنة بحل جميع الأحزاب السياسية الحالية، مع السماح بتشكيل عدد محدود فقط من الأحزاب الجديدة في وقت لاحق. وفي حين تهدف هذه الخطوة رسميا إلى إعادة هيكلة المشهد السياسي ومنع عودة الأحزاب التقليدية، فإنها ربما تشكل خطرا على التعددية السياسية. فالانتقال من نظام التعددية الحزبية إلى إطار الحزب المحدود قد يؤدي إلى هيمنة فصيل سياسي واحد، مما يقوض الأسس الديمقراطية في النيجر.
العفو العام:
تضمنت التوصيات أيضا منح العفو الكامل لجميع المشاركين في الانقلاب، بما في ذلك القادة العسكرين والسياسيين. ويحمي هذا القرار المثير للجدل الشخصيات الرئيسية في الانقلاب من أي مساءلة قانونية أو سياسية. ونتيجة لذلك، تعزز القيادة العسكرية موقفها دون خوف من الملاحقة القضائية في المستقبل، مما قد يمثل سابقة للإفلات من العقاب.
ترقية الجنرال عبد الرحمان تياناي:
اقترحت اللجنة ترقية الجنرال عبد الرحمن تياناي إلى رتبة عسكرية أعلى، مما يعزز سلطته داخل المجالين العسكري والسياسي. وتشير هذه الخطوة إلى محاولة لترسيخ النفوذ العسكري على الحكم. وفي حين يرى البعض أن هذه الترقية جزء من صفقة سياسية تضمن رحيله في نهاية المطاف عن السلطة، ويرى آخرون أنها بمثابة ترسيخ للهيمنة العسكرية بعد الفترة الانتقالية.
ثانياً: السياقات السياسية والدستورية
تعكس التوصيات التي اقترحتها اللجنة الوطنية التحديات والفرص المتاحة للمشهد السياسي في النيجر. وفي حين تثير هذه التوصيات المخاوف بشأن الحكم الديمقراطي، فإنها تعالج أيضا بعض المشاكل البنيوية التي كانت قائمة في ظل النظام السابق.
فمن بين المخاوف الأساسية امتداد الحكم العسكري، الذي ينظر إليه البعض كوسيلة لتعزيز السلطة بدلا من تيسير الانتقال الديمقراطي. تاريخيا، كانت التحولات المطولة تؤدي غالبا إلى سيطرة عسكرية غير محددة، مما يجعل من الصعب على المؤسسات المدنية استعادة السلطة. كما تفاقم عملية حل الأحزاب السياسية من تعقيد العملية، لأنه قد يحد من التنوع السياسي ويضعف التمثيل الديمقراطي. وقد يشكل منح العفو لقادة الانقلاب سابقة للإفلات من العقاب، مما يثير المخاوف بشأن المساءلة والعدالة.
ومع ذلك، يعتبر المؤيدون أن هذه التدابير ضرورية لتحقيق الاستقرار في البلاد. إذ كان النظام السياسي السابق يعاني من الفساد وضعف الحكم والانقسامات المجتمعية العميقة. وهناك مخاوف من أن العودة الفورية إلى الحكم المدني دون معالجة هذه القضايا البنيوية قد تؤدي إلى تجدد عدم الاستقرار. فإن السماح بعدد محدود من الأحزاب السياسية الجديدة قد يمنع إعادة ظهور نفس الجهات السياسية الفاعلة التي ساهمت في إخفاقات الحكم السابقة. وعلاوة على ذلك، فإن فترة الانتقال الممتدة قد توفر فرصة لإنشاء مؤسسات أقوى قبل إجراء الانتخابات.
كما أن الآثار الدستورية لهذه التدابير تظل كبيرة. وفي حين قد يُنظَر إلى حل الأحزاب وأحكام العفو على أنها معادية للديمقراطية، يعتبرها المؤيدون صفحة بيضاء للتجديد السياسي. ويكمن التحدي في ضمان عدم تحول هذه الإصلاحات إلى آليات لترسيخ الحكم العسكري بل تعمل بدلا من ذلك كأساس للاستقرار السياسي الطويل الأجل.
وباختصار، لا يزال المشهد السياسي والدستوري في النيجر معقدا، حيث تشكل المصالح المتنافسة عملية الانتقال. وفي حين أن المخاوف بشأن النكسات الديمقراطية مبررة، فيجب أيضا النظر في السياق الأوسع لإخفاقات الحكم السابقة. وسوف يعتمد نجاح الانتقال على ما إذا كانت الطبقة العسكرية تلتزم بالتزام استعادة الحكم المدني في نهاية المطاف وما إذا كانت إعادة الهيكلة السياسية تعزز التجديد الديمقراطي حقا بدلا من تقييده.
ثالثاً: الأبعاد الإقليمية والدولية
إن الانتقال المقترح في النيجر يحمل تداعيات إقليمية ودولية كبيرة، وخاصة بالنظر إلى الموقع الجيوسياسي للبلاد في منطقة الساحل. ويتبع قرار تمديد الحكم العسكري نمطا لوحظ في مالي وبوركينا فاسو المجاورتين، وكلاهما شهد استيلاء عسكريا على السلطة وفترات انتقالية مطولة. وتشير هذه التطورات إلى تحول إقليمي أوسع نحو الحكم بقيادة الجيش، مما يشكل تحديا لفعالية المؤسسات الديمقراطية في منطقة غرب أفريقيا.
ومن بين التأثيرات الإقليمية الأكثر إلحاحا العلاقة المتوترة بين النيجر والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس). فقد قوبلت خطة الانتقال الأولية التي استمرت ثلاث سنوات بالفعل بمقاومة من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، التي طالبت بالعودة السريعة إلى الحكم المدني. ومع الانتقال المقترح الذي يستمر خمس سنوات، من المرجح أن تتصاعد التوترات مع الكتلة الإقليمية. كما أن انسحاب النيجر من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، إلى جانب مالي وبوركينا فاسو، يزيد من عزلة البلاد عن التعاون الاقتصادي والأمني الإقليمي، مما يثير المخاوف بشأن جدوى استقرارها الاقتصادي على المدى الطويل.
ومن منظور دولي، تراقب القوى العالمية ذات المصالح الخاصة في أمن غرب أفريقيا وحوكمة البلاد عن كثب عملية انتقال السلطة في النيجر. فقد شهدت فرنسا، التي كانت تحتفظ في السابق بوجود عسكري قوي في النيجر، تراجع نفوذها وسط تصاعد المشاعر المعادية لفرنسا وزيادة الحزم العسكري. وفي الوقت نفسه، يثير انخراط روسيا المتزايد مع الأنظمة العسكرية في أفريقيا، وخاصة من خلال مجموعة فاغنر، مخاوف بشأن التحول المحتمل للنيجر نحو شراكات أمنية بديلة.
وقد أعربت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عن قلقهما إزاء إطالة أمد الانتقال وحل الأحزاب السياسية، مؤكدين على الحاجة إلى عملية ديمقراطية ذات مصداقية. ويمكن الاستفادة من العقوبات والضغوط الدبلوماسية لتشجيع انتقال أكثر شفافية، لكن مدى فعاليتها لا يزال غير مؤكد نظرا لاصطفاف النيجر مع أنظمة أخرى يقودها الجيش.
وعلاوة على ذلك، لا يمكن تجاهل الآثار الأمنية الأوسع للحكم العسكري في النيجر. حيث لا تزال منطقة الساحل تواجه تهديدات من الجماعات المسلحة مثل بوكو حرام والفصائل التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية. وتظل قدرة الحكومة التي يقودها الجيش على مكافحة هذه التهديدات بفعالية دون دعم خارجي موضع شك. ومع ابتعاد النيجر عن المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا واحتمال تقليص التعاون مع الحلفاء الغربيين، فقد تتفاقم التحديات الأمنية، مما يؤدي إلى تفاقم عدم الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة.
وبشكل عام، تعكس الأبعاد الإقليمية والدولية لانتقال النيجر تفاعلاً معقدًا بين العوامل السياسية والأمنية والاقتصادية. وتهدد فترة الانتقال المطولة بتعميق عزلة النيجر مع تعزيز اتجاه الهيمنة العسكرية في غرب أفريقيا. وفي نهاية المطاف، ستشكل ردود أفعال المنظمات الإقليمية والجهات الفاعلة الدولية والمعارضة المحلية مسار حكم النيجر ودوره في المشهد الأمني الأوسع في منطقة الساحل.
رابعاً: التحديات والفرص
التحديات:
قد يؤدي التأخير في العودة إلى الحكم المدني إلى تفاقم عدم الاستقرار السياسي وتأجيج المعارضة الداخلية .إن العزلة الإقليمية قد تؤدي إلى تفاقم الصعوبات الاقتصادية من خلال قطع الدعم المالي والتجاري من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا. التصعيد المحتمل للمعارضة الداخلية بسبب حل الأحزاب السياسية واستبعاد الجهات السياسية التقليدية.
الفرص:
إمكانية إعادة هيكلة النظام السياسي لتحقيق الاستقرار على المدى الطويل. إعطاء الجيش الوقت لمعالجة التحديات الأمنية قبل نقل السلطة. إنشاء أحزاب سياسية جديدة تتوافق مع المشهد السياسي المتطور، وربما تقديم زعامة سياسية جديدة.
الخلاصة
إن توصيات اللجنة الوطنية تشكل تحديات كبيرة فيما يتعلق بمستقبل النيجر الديمقراطي والاستقرار السياسي. وفي حين يذهب البعض أن تمديد فترة الانتقال ضروري لتسليم منظم للسلطة، يرى آخرون أنها استراتيجية لترسيخ الحكم العسكري وتأجيل الانتخابات. ومع تطور الأحداث، سيظل المشهد السياسي في النيجر تحت التدقيق المحلي والدولي الوثيق، وخاصة بالنظر إلى آثاره الأوسع على المنطقة. والطريقة التي يتم بها تنفيذ هذه التوصيات ستحدد إلى حد كبير ما إذا كانت النيجر ستتحرك نحو الاستقرار أو الاضطرابات السياسية العميقة.